الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

181

شرح ديوان ابن الفارض

مبتدأ مؤخر . وجملة به عقل عن هداي هي خبر المبتدأ الذي هو عقلي . و « عن هداي » متعلق بقوله عقل . و « العقل » الأول بمعنى الحجر بكسر الحاء . وما أحسن قول الزمخشري في ذكر أسماء العقل : وهو عقلك ليعقلك ، وحجرك ليحجرك ، ونهيتك لتنهاك . والثاني بمعنى المنع . يقال عقلت الجمل عن السير ، أي ربطته ومنعته من السير ، أي وعقلي فيه منع عن هداي به أي الحب . ففي البيت قد قرّر أنه أعطى السعادة وتعوض بالشقاء لما عنده من الضلال ، وأن عنده مانعا يمنع عقله عن أن يهتدي بالحب لأن الحب عند السالكين طريق الهدى وبه تحصل السلامة ويذهب الردى . وفي البيت الطباق بين السعادة والشقا ، وبين الضلال والهدى ، والجناس التام في عقل وعقل . ( ن ) : قوله وفي حبها ، أي المحبوبة المذكورة . وقوله بعت السعادة ، أي السعادة الدنيوية التي يرغب فيها الغافلون ، وينهمكون في تحصيلها من مال وجاه ووجاهة ومنصب ونحو ذلك ، وبيعها كناية عن الإعراض عنها والزهد فيها بالظاهر والباطن . وقوله بالشقا ، أي التعب والمشقة وما يناله السالك في الدنيا من الأذى وإنكار أهل الغفلة عليه وجحودهم ما لديه . وقوله ضلالا ، تمييز لنسبة بيع السعادة المذكورة ، يعني حيرة مني واندهاشا في حال المحبوبة المذكورة . وقوله وعقلي عن هداي به عقل ، يعني قوّة إدراكي مربوطة عن اطلاعي على مصالح معاشي وتدبير أحوالي بما أنا ساع في تحصيله ، ومهتم بتأصيله من المعرفة الإلهية والفتوحات الربانية . اه . وقلت لرشدي والتّنسّك والتّقى تخلّوا وما بيني وبين الهوى خلّوا [ الاعراب والمعنى ] « لرشد » بضم الراء وسكون الشين الهداية . « والتنسك » كالتعبد وزنا ومعنى . « والتقى » اتباع ما أمر اللّه تعالى به والانتهاء عما نهى اللّه تعالى عنه . وقوله « تخلوا » الخطاب فيه بالواو للثلاثة المذكورة وما ساغ ذلك إلا لتنزيل الرشد ، والتنسك والتقى منزلة العقلاء ، وسبب التنزيل خطابها بالقول في قوله « وقلت » إذ لا يخاطب حقيقة إلا العقلاء . فهو على حدّ قوله تبارك وتعالى : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصّلت : الآية 11 ] وقله : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [ يوسف : الآية 4 ] و « تخلوا » أمر للجماعة بالترك ، أي اتركوني واذهبوا عني فإن الرشد والتنسك والتقى ليست من أوصاف المحبين ، ولا يتقيد بها من تاه في بيداء المحبة من الضالين . و « خلوا » في آخر البيت بفتح الخاء وضم اللام المشدّدة عطف على تخلو ، أي اتركوني ودعوني مع الهوى أعالج تباريح الجوى . « وما » زائدة أي خلوا بيني وبين